ابن عطاء الله السكندري

32

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

واعلم أنه لو أخلاهم من ذلك لتركوا العمل اعتمادا على الأزل فقال تعالى : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) [ الأعراف : 56 ] ، إن أردت ورود المواهب عليك فصحح الفقر والفاقة لديك إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 60 ) [ التوبة : 60 ] ، أنوار أذن لها في الدخول وأنوار أذن لها في الوصول . ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشوا بصور الآثار فارتحلت من حيث نزلت . فرغ قلبك من الأغيار تملؤه بالمعارف والأسرار . المؤمن يشغله الثناء على اللّه عن أن يكون لنفسه شاكرا وتشغله حقوق اللّه عن أن يكون لحظوظه ذاكرا . جعلك اللّه في العالم الأوسط بين ملكه وملكوته ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته وأنك جوهرة انطوت عليها أصداف مكوناته . أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون فإذا شهدته كانت الأكوان معك . العاقل بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى . قد أشرق نوره وظهرت تباشيره فصد عن هذه الدار موليا وأعرض عنها مغضبا فلم يتخذها موطنا ولا جعلها سكنا بل نهض الهمة فيها إلى اللّه تعالى وسار إليه مستعينا به في القدوم عليه فما زالت مطية عزمه لا يقر قرارها دائما تسيارها إلى أن أناخت بحضرة القدس وبساط الأنس محل المفاتحة والمواجهة والمجالسة المحادثة والمشاهدة والملاطفة وصارت الحضرة معشش قلوبهم إليها يأوون وفيها يستوطنون فإن نزلوا إلى سماء الحقوق وأرض الحظوظ فبالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة ولا إلى الحظوظ بالشهوة والمتعة بل دخلوا في ذلك كله باللّه وللّه ومن اللّه وإلى اللّه فإياك يا أخي أن تصغى إلى أن الواقعين في هذه الطائفة لئلا تسقط من عين اللّه وتستوجب المقت من اللّه فإن هؤلاء القوم جلسوا مع اللّه على حقيقة الصدق وإخلاص الوفاء ومراقبة الأنفاس مع اللّه قد سلموا قيادهم إليه وألقوا أنفسهم سلما بين يديه وتركوا الانتصار لأنفسهم حياء من ربهم فكان هو المحارب عنهم لمن حاربهم والغالب لمن غالبهم ولقد ابتلى اللّه هذه الطائفة بالخلق خصوصا ولا سيما أهل العلم فقلّ أن تجد منهم من شرح اللّه صدره للتصديق بولي معين بل يقول لك نعم إن الأولياء موجودون ولكن أين هم فلا يذكر له أحد إلا وأخذ يدفع خصوصية اللّه فيه طلق اللسان بالاحتجاج عاريا من التصديق فاحذر ممن هذا وصفه وفر منه فرارك من الأسد قال الشيخ أبو الحسن رضى اللّه تعالى عنه ليس الفقيه من فقأ الحجاب عيني قلبه وإنما الفقيه من فهم سر الإيجاد وأنه ما أوجده إلا لطاعته ولا خلقه إلا لخدمته فإذا فهم هذا كان هذا الفقه منه سببا لزهده في الدنيا وإقباله على الآخرة